أبي منصور الماتريدي
226
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
ويحتمل القضاء : إنشاء وخلق ، ولكن لينشئ الله ما قد علم أنه يكون كائنا ، والله أعلم . وقوله : لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ . قال بعض أهل التأويل « 1 » : ليكفر من كفر بعد ذلك عن بينة وحجة أن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم كان على الحق ، وكان صادقا ويؤمن من آمن على مثل ذلك . وعن ابن عباس - رضي الله عنه - قال : لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ قال : ليموت من مات ، وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ يقول : عن بيان وحجة . وهو - والله أعلم - أن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم قد كان أتاهم بآيات حسية ، فسموه ساحرا ، وأخبرهم بالأنباء الماضية التي كانت في كتبهم ، فقالوا : إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ ، وقالوا : إنه معلم إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ [ النحل : 102 ] . وقد كان رسول الله صلى اللّه عليه وسلم يخالفهم في جميع صنيعهم من عبادتهم الأصنام والأوثان دون الله ، وكان يخوفهم ويوعدهم بأشياء ، وكان لا يخافهم ، وهم كانوا رؤساء كبراء ، لا يخالفهم أحد في أمرهم ونهيهم إلا من كان به جنون ، فلما رأوا رسول الله خالفهم في جميع أمورهم نسبوه إلى الجنون ، وقالوا : ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ [ الذاريات : 39 ] ، و مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ [ الدخان : 14 ] ؛ فأراد الله أن يجعل له آية عظيمة ؛ حتى لا يقدروا بالنسبة إلى شيء مما كانوا ينسبونه من قبل ، فوعدهم « 2 » النصر والفتح يوم بدر بعد ما علم أولئك ضعف المؤمنين ، وقلة عددهم ، وقوة أنفسهم ، وكثرة عددهم ؛ لتكون حياة من حيي بعد ذلك عن بينة ، وموت من مات على مثل ذلك ، وإن كان له من الآيات ما لو لم يعاندوا ولا يكابروا عقولهم ، لكانت واحدة منها كافية . فإن قيل : ما الحكمة في ذكر القصة من أولها إلى آخرها ، وهم قد علموا ذلك كله وشاهدوه ؟ ! قيل : يذكرهم الله - والله أعلم - الحال التي كانوا عليها [ من الضعف والقلة والخوف وفقد أسباب الحرب والقتال وكثرة العدو وقوتهم ووجود أسباب الحرب والقتال ؛ ليعلم الخلق أن النصر والغلبة ليس يكون بالكثرة ] « 3 » والقوة والأسباب ؛ ولكن بالله « 4 » - عز
--> ( 1 ) أخرجه ابن جرير ( 6 / 258 ) ( 16164 ) عن ابن إسحاق ، وذكره البغوي في تفسيره ( 2 / 252 ) . ( 2 ) في أ : قواعد لهم . ( 3 ) سقط في أ . ( 4 ) في أ : الله .